عبد الرحمن بدوي
268
أرسطو عند العرب
لهيب النار إن كان أقل حرارة من الحديد المحمى فليس إنما هو كذلك بممازجة البرودة إياه ، ولا الجسم أيضا هو أقل خصبا إنما هو كذلك لا محالة بمشاركة ملكة ما رديئة « 1 » إياه . فلينزل أن أشرف هذه الأشياء وأولاها « 2 » بأن يكون ، هو أولا المحرك لكرة فلك الكواكب الثابتة ، وأن بسببها « 3 » يحرك أيضا الأشياء المتحركة عنها ، ثم التالي له المحرك للكرة الثابتة ، والثالث بعده المحرك للكرة الثالثة ، كذلك يجرى الأمر في سائر الأشياء الأخر ليكون سبب الاختلاف الموجود « 4 » بين بعض الأكر وبعض من أبطأ حركتها الدورية وسرعتها إنما هو لاختلاف الأسباب المحركة . وقد وصفنا الحال في هذا الاختلاف فيما تقدم من قولنا . فأما الاختلاف بين الأشياء التي ليست أجساما فليس ذلك من قبل جسم ما كما ظنّ كثير من الناس . وذلك أنه ليس يحق أن يقال « 5 » إن ما ليس بجسم لا يخالف ما ليس بجسم ، لأنه غير جسم من قبل أن طبيعة الأشياء التي ليست أجساما ليست واحدة كما قد نجد الأمر جاريا عليه في طبيعة الأجسام . والدليل على ذلك الأجناس التي في مقول الجوهر . وقد ينبغي لنا أن نعتقد في جميع الأكر أنها ذوات أنفس ، وأن كل واحدة منها لها أنفس تخصها ، وأنها إنما تتحرك حركتها الطبيعية بالاشتياق الذي يخصها في طبيعتها ؛ وذلك أن طبيعة هذه الأشياء هي النفس إذ كانت صورة الجسم الإلهى أكمل الصور وكانت أنفس الأجسام الإلهية غير محتاجة أصلا في الأفعال التي تصدر عنها إلى الأجسام الإلهية « 6 » المختلفة . فالمحرك الأول ، وهو المتصور « 7 » بالعقل المتشوق ، إنما يحرك الشئ المتحرك نحوه من حيث هو متصوّر بالعقل ، كما يحرك العاشق المعشوق من غير أن يتحرك هو ؛ إذ كان ليس بجسم ، وكان مجردا من العنصر ، مفارقا له من جميع الجهات . وذاك أنه إن كان المعشوق هو سبب حركة العاشق ، فإن الشئ الذي ذاته متشوقة « 8 » هو يحرك ذاته ، والشئ الذي ذاته متشوقة هو الشئ الذي هو خير « 9 » . وهذه الحال بعينها حال ذلك الشئ . فيجب إذا أن يكون يحرك ذاته إن كان قد يمكنه أن يعقل
--> ( 1 ) فوقها : مذمومة ( 2 ) فوقها : وأحقها . ( 3 ) فوقها : بتوسطها . ( 4 ) ص : الموجودة . ( 5 ) ص : ليس يحق أن يقال إن ما ليس يحق أن يقال أن ليس بجسم . . . ( 6 ) فوقها : الآلية . ( 7 ) فوقها المعقول ( 8 ) فوقها : تتشوق ( 9 ) في هامش الأصل : في المحرك الأول .